ابن كثير
13
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عبد اللّه بن شداد ، عن أم الفضل ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قام ليلة بمكة ، فقال « هل بلغت » يقولها ثلاثا ؛ فقام عمر بن الخطاب وكان أوّاها « 1 » ، فقال : اللهم نعم ، وحرصت ، وجهدت ، ونصحت ، فاصبر ؛ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه ، وليخوضن رجال البحار بالإسلام ، وليأتين على الناس زمان يقرءون القرآن ، فيقرءونه ويعلمونه ، فيقولون : قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا ؟ فما في أولئك من خير » قالوا : يا رسول اللّه ، فمن أولئك ؟ قال : « أولئك منكم ، وأولئك هم وقود النار » ثم رواه من طريق موسى بن عبيد ، عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه . وقوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ قال الضحاك عن ابن عباس : كصنيع آل فرعون ، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد ، ومنهم من يقول : كسنة آل فرعون ، وكفعل آل فرعون ، وكشبه آل فرعون ، والألفاظ متقاربة ، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر ، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة ، كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك ، وقال امرؤ القيس : [ الطويل ] وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * يقولون لا تأسف أسى وتجمّل كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل « 2 » والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها ، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد ، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به من آيات اللّه وحججه ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء ، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء ، وذلّ له كل شيء ، لا إله غيره ولا رب سواه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 12 إلى 13 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) يقول تعالى : قل يا محمد للكافرين سَتُغْلَبُونَ أي في الدنيا ، وَتُحْشَرُونَ أي يوم القيامة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ، ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع ، وقال « يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم اللّه بما أصاب قريشا » .
--> ( 1 ) الأوّاه : الكثير الدعاء ، والرحيم الرقيق القلب . ومنه الآية : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ . ( 2 ) ديوان امرئ القيس ص 9 . ورواية الديوان « لا تهلك » في موضع « لا تأسف » و « كدينك » في موضع « كدأبك » . والدين والدأب بمعنى . ومأسل : اسم موضع .